الشنقيطي

346

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

أظهرهم ، وأن ذلك تقليد لهم فهو ظاهر السقوط أيضا . لأنهم ما كانوا يفتونهم في حالة وجود رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بين أظهرهم إلا بما علمهم من الكتاب والسنة كما لا يخفى . ومن أفتى منهم وغلط في فتواه أنكر عليه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فتواه التي ليست مطابقة للحق ، وردها عليه كإنكاره على أبي السنابل بن بعكك قوله لسبيعة الأسلمية لما مات زوجها ووضعت حملها بعد ذلك بأيام : « إنها لا تنقضي عدتها إلا بعد أربعة أشهر وعشر ليال » « 1 » . وقد استدل أبو السنابل على ما أفتى به بعموم قوله تعالى : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً [ البقرة : 234 ] . وقد رد عليه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فتواه مبينا أن عموم قوله تعالى : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً [ البقرة : 234 ] الآية ، مخصص بقوله تعالى : وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [ الطلاق : 4 ] . وكإنكاره صلّى اللّه عليه وسلّم على الذين أفتوا صاحب الشجة بأنهم لم يجدوا له رخصة وهو يقدر على الماء . وقد قدمنا قصته ، وأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال فيهم : « قتلوه قتلهم اللّه » « 2 » الحديث . والظاهر أنهم استندوا في فتواهم لما فهموه من قوله تعالى فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً [ النساء : 43 ] وغفلوا عن قوله : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى [ النساء : 43 ] الآية ، وأمثال هذا كثيرة . وأما استدلالهم على التقليد بقوله تعالى فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ( 122 ) [ التوبة : 122 ] قائلين إن الآية أوجبت قبول إنذارهم ، وأن ذلك تقليد لهم ، فهو ظاهر السقوط أيضا . لأن الإنذار في قوله وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ لا يكون برأي . وإنما يكون بالوحي خاصة ، وقد حصر تعالى الإنذار في الوحي بأداة الحصر التي هي إنما في قوله قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ [ الأنبياء : 45 ] . وبه تعلم أن الإنذار لا يقوم إلا بالحجة فمن لم تقم عليه الحجة ، لم يكن قد أنذر ،

--> ( 1 ) أخرجه عن عبد اللّه بن عتبة : البخاري في المغازي حديث 3991 ، ومسلم في الطلاق حديث 56 . ( 2 ) سبق تخريجه .